ابن أبي شريف المقدسي

130

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

الصور الثلاث ( لا يقع ) عليه الطلاق « 1 » . وقوله : ( بناه ) استئناف ؛ كأن سائلا قال : على ما ذا بنى أبو حنيفة ما روي عنه ؟ فأجيب بأنه بناه ( على إدخال معنى الطلب والميل في مفهوم الإرادة ، والمرضيّ والمحبوب ) كل منهما ( مطلوب ) بل هما أولى بدخول الطلب في مفهومهما ، ( ومنه يقال لطالب الكلأ رائد ) فالطلب داخل في مفهومه . وهذا التوجيه لما روي عن أبي حنيفة رحمه اللّه لا ينافي القول بأن كلّا من الرضا والمحبة إرادة خاصة ( و ) ما دل عليه هذا النقل من أبي حنيفة من الفرق بين المشيئة والإرادة ( هو أيضا خلاف ما عليه الأكثر ) أي : أكثر أهل السنة ، ( وسيعود الكلام إليه ) في محله من هذا الأصل . ولم يتعرض المصنف لجواب استدلالهم بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ( سورة الذاريات : 56 ) ، وقد أجيب عنه : بمنع دلالة لام الغرض على كون ما بعدها مرادا ، بل معنى الآية : إلا لنأمرهم بالعبادة ، ولئن سلم فلا نسلم عموم الآية للقطع بخروج من مات على الصبي والجنون ، والعام إذا دخله التخصيص صار عند المعتزلة مجملا في بقية أفراده « 2 » ؛ فلا يصلح دليلا عندهم ، فليخرج من مات على الكفر كما يدل عليه قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ( سورة الأعراف : 179 ) . والتحقيق : أن الحصر في الآية إضافي ، والمقصود به أنه خلقهم لعبادته ، لا ليعود إليه منهم نفع ، كما دل عليه قوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) ( سورة الذاريات : 57 ) ، وليس حصرا حقيقيا كما فهموه . ( وأجيب عن قولهم ) أي : المعتزلة ( إنّ إرادة الظلم من العبد ثم عقابه عليه

--> ( 1 ) انظر : الروضة ، للنووي ، 8 / 157 ، ومواهب الجليل ، للحطاب ، 4 / 44 ، والنصوص فيهما مقاربة للمعاني التي أوردها المصنف . ( 2 ) العام الذي يدخله التخصيص : العام هو اللفظ المستغرق جميع ما يصلح له دفعة بوضع واحد من غير حصر ، والخاص : إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم على تقدير عدم المخصص ، والمخصصات متصلة ومنفصلة . والأصل أن العام باق على عمومه ، ومذهب جمهور العلماء أن للعام إثبات الحكم في جميع ما يتناوله ، أما دلالته فإذا كان عاما مطلقا لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه اختلف في دلالته على جميع أفراده أهي قطعية أم ظنية ، والأكثر على أنها ظنية فتفيد وجوب العمل دون الاعتقاد ، أما المعتزلة فإن العام عندهم إن دخله التخصيص صار مجملا في بقية أفراده ، فلا يحتج به .